Sunday, June 8, 2014

باولو كويلو يعرف سر الخيمياء الأدبية


“لو تمنيت بصدق شيئًا ما، فإنّ العالم كله يتآمر كي يحققه”.

“يعرف «باولو كويلو» سرّ الخيمياء الأدبية.” .. الكاتب الياباني الحائز على «نوبل» للاداب «كينزابورو أوي» .

في عالمه الروائي دائما ما يحاول الكاتب البرازيلي «باولو كويلو» التعرض الى تلك اللحظات الصغيرة التي تمرّ في حياتنا دون أن نعيرها أدنى اهتمام .

ذلك الانسان الهيبي الذي تأثر بأدب «جبران خليل جبران» ومؤلفَ الأغاني الذي كتب للمسرح وعمل في شركة اسطوانات، بل والذي  دفع به أهله غير مرة إلى المِصحّة النفسية لاعتقادهم بأنه مُصاب بلوثة عقلية .

وفي خضم تلك الحياة الحافلة التي عاشته ولم يعشها دائما ما كان يراوده حلم الكتابة ويستحوذ عليه ويستحثه على أن يكتب ويعطي الكاتب الذي فيه الفرصة اللائقة من أجل الانطلاق والحياة والتغيير ، اتأتي كتاباته اشبه بابتهالات المتصوفة تحمل روح الفلسفة ، وتسبر بعمق ، أغوار النفس الانسانية .

في سنة 1986 حجّ «كويلو» إلى مزار «القديس يعقوب» الإسباني القديم، ليحكي في أول أعماله الادبية الذي أسماه «حاج كومبوستيلا» عن هذه التجربة ، التي قال عنها ” في البداية بعدما عدتُ من الرحلة كنت أعيش حالة من الهبوط المفاجئ. ووجدت صعوبة كبيرة في العودة إلى حياتي الطبيعية والتأقلم معها.

ويضيف ” كنت نافد الصّبر وذلك لرغبتي في تغيير حياتي بسرعة شديدة. لكن التغييرات لا تحدث الا عندما تكون مستعدًا،  لقد استغرقني بضعة أشهر لأدرك أنّ ما عليّ التركيز عليه هو كتابة كتاب فقط، بدلا من القيام بأدوار ومهام مختلفة كما كنت أفعل في السابق ” .

“كانت رحلة الحجّ هي موضوعي وحالما شرعتُ في الأمر خطوت أولى خطواتي صوب حلمي، ” هي بالأساس قصتي ، لقد كتبت فيها عن رحلتي الحقيقية ، حيث انني غالبا ما أستعمل وأستغل حياتي كمجازٍ في كتبي الاخرى وليس هناك بين كتبي الأخرى ما هو أوتوبيوجرافيا كما في كتابي الأول «حاج كومبوستيلا» .

وبعد هذا الكتاب عمل بعدها بسنة على كتابة رائعته الشهيرة «الخيميائي» الذي كرّسه واحدًا من أكثر كتّاب العالم شهرة وقرّاءً، وتنحصر فلسفة هذا العمل العبقري في أن  “السفر في رحلة حج هو عمل على إعادة إيقاظ ذلك الوعي الكامن فينا” .

 ويستدرك كويلو ” لكنك لست مجبرا على السير في طريق سانتياجو لكي تحصل على الفوائد ، فالحياة ذاتها هي عبارة عن رحلة حج إذ كل يوم يختلف عن الآخر، وبإمكانك يوميًا أن تحظى بلحظة ساحرة “.

و في الخميائي نكتشف أن الرحلة ذاتها هي أكثر أهمية من الكنز.، وهذا يقودنا إلى التفكير بأنّ هذه الرحلة هي رحلة روحية من أجل البحث عن الذات. وهذا يستفزّنا لأن نكون أنفسنا وأن نرفض تكييف ذواتنا وأعمالنا وفقًا لأفكار وتوقعات الآخرين منا .

وعن صعوبة ويوتوبية هذه الفلسفة يقول كويلو : “أنا مثال حيّ على ما أقول. ما من أحد يفكر على نحو واقعي أنك تستطيع العيش من الأدب في البرازيل،  لقد واجهت صعوبات شتى، وعندما كنت شابا قام والداي بعمل يائس لاهتمامهما بي وقلقهما على وضعي، قاما بإرسالي إلى مؤسسة عقلية، ظنا منهما أنني مجنون لأنني أريد أن أكون كاتبًا. على أيّ حال، لقد كنت مقتنعا غاية الاقتناع بما أريد أن أكون .

وتتالت أعماله الأخرى التي فرضته كاتبًا شعبيًا واسع الانتشار، فصدرت له «فيرونيكا تقرّر أن تموت» و«على نهر بييدرا هناك جلست فبكيت» و«الشيطان والآنسة بريم» و«الجبل الخامس» و«مكتوب» و«إحدى عشرة دقيقة» ، .. وغيرها من الكتب الأخرى .

ويقول كويلو عن محاولته الدؤوب في كتاباته للبحث عن الله “في بداية حياتي أردت أن أحصل على أجوبة لكلّ شيء، لكني الآن أدرك أنه ليس بوسعي أن أحصل على هذه الأجوبة ، لأن كل شيء موجود أمامنا ليس إلا الجزء المرئي الظاهر فقط من الواقع بينما هناك جزءًا غير مرئي تسيطر عليه العواطف والانفعالات والمشاعر ، ويضيف ” لكنّ الله كائن – على حد تعبير «وليم بليك»- في حبة رمل وفي زهرة هذه الطاقة موجودة في كل مكان.

ويتابع كويلو ” كل الأديان في النهاية تسعى إلى الإشارة والدلالة إلى ذات النور المشترك بينها جميعًا. وأحيانا يكون بين النور وبيننا الكثير من القواعد والقوانين. بعض من هذه القواعد هام، والبعض الآخر منها يجب ألا يعمينا وألا يضعف من كثافة هذا النور الذي هو روح العالم.”

يحمل كويلو روح وسمت الكاتب الحاج وكأنما هو مسافر أبدي يقابل أناسا ويتحاور مع الامكنة للاقتراب من آفاق الروحانية في العالم ويقول عن ذلك ” ليست للروحانية أية علاقة فيما إذا كنتُ مؤمنا بالله أم غير مؤمن: إنها ليست إلا طريقة لفهم الحياة.

وغالبا ما يقترن الحديث عن باولو كويلو بالحديث عن الأسطورة الشخصية التي قال عنها ” عن طريق تساؤلاتي توصلّت إلى قناعة مؤداها أنّ على الإنسان أن يقوم بتحقيق أسطورته الشخصية، وان هذه الاسطورة الشخصية هي السبب الذي يجعلنا نحن كما نريد لا كما يُراد لنا وان نكون فاعلين و مفعمين بالحياة، ويتابع : ” وفي حالتي، كانت هذه الأسطورة هي أن أشارك وأتقاسم أفكاري مع الآخرين من خلال الكتابة “.

ويضيف كويلو ” لدينا أحلام ليست هي بالضرورة تلك الأحلام التي يريدها لنا آباؤنا أو المجتمع. لذا علينا التخلّص من فكرة تحقيق ما يتوقع الناس منا أن نقوم به، وبدلا من ذلك أن نبدأ العمل على ما نتوقع نحن من حياتنا

ودائما ما يحث كويلو القارئ في كتاباته على التفاعل مع الحياة ، ودائما ما يذكرنا بأن كل انسان منا هو شخص فريد من نوعه عليه تقبل ما هوعليه من فرادة، بدلا من أن يقوم بمحاولة إعادة استنساخ أقدار الأشخاص الآخرين أو أنماط حيواتهم.

والجنون الحقيقي في نظر كويلو هو أن يتصرّف الانسان على مثال شخص ليس ما هو عليه أو يكونه ، بينما يرى الحالة الطبيعية هي أ نيكون الانسان قادرًا على أن يعبِّر عن مشاعه ويقول في ذلك  “وفي حال توقفك عن الخوف من مشاركة حقيقة ما يدور في قلبك، فإنك تغدو إنسانًا حُرًّا”  .

ودائما تختتم أعمال كويلو بروح تلك الموتيفة ” لو تمنيت بصدق شيئا ما، فإنّ العالم كله يتآمر كي يُحققه، حتى لو اقتضى تحقيقه سنينًا أو عقودًا، لكن كي تفعل ذلك يجب أن تكون شجاعًا، شجاعًا بما فيه الكفاية لأن تحارب من أجل أشياء تعني الكثير لك أنت، ولا تعني الشيء الكثير للآخرين، بل تعني الكثير لك أنت.”

0 comments: